اسماعيل بن محمد القونوي

194

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الأخير إشارة إلى ما ذكره صاحب الكشاف من قوله ويجوز أن يراد به ما مر في يُخادِعُونَ [ البقرة : 9 ] من أنه يجري عليهم أحكام المسلمين في الظاهر وهو مبطن بادخار ما يراد بهم من العذاب انتهى لكن لما كان فيه شائبة التكرار أخر الشيخان هذا الوجه الرابع وأما تقديم الوجه الأول فلأن المشاكلة هي المتعارفة في الاستعمال وأنها من المحسنات البديعية وأن تسمية جزاء الشيء باسمه شائع بين البلغاء قوله كما سمي جزاء السيئة الخ . إشارة إلى هذا على أن مآل الوجه الثاني حاصل الوجه الأول ومن هذا قدم الثاني على الثالث وتقديم الثالث على الرابع يفهم من توهين الرابع ثم قوله أو يعاملهم الخ كالنص على أنه حمل الكلام حينئذ على الاستعارة التمثيلية وأما جواز التبعية فآب عنها كلامه وأما صاحب الكشاف حمل كونه استعارة تبعية أيضا إذ الكلام في حد ذاته يحتملها ولا يأبى عنه أيضا كلامه فمن قال إنه استعارة تبعية تمثيلية لم يتنبه لما في الكلام من التنبيه على الاستعارة التمثيلية إلا أن يقال إن مراده أن الاستعارة التبعية قد جمعت مع الاستعارة التمثيلية كما مر في قوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] الآية وهو النحرير التفتازاني بخلاف الشريف الجرجاني والقائل المذكور مال إلى المسلك الأول وهو في نفس الأمر هو المعول عليه وقد أشبع الكلام في تحقيق هذا المرام في توضيح الآية المذكورة بعون اللّه الملك العلام توضيح التمثيلية أنه شبه صورة صنع اللّه معهم في الدنيا بإجراء أحكام الإسلام واستدراجهم بإدرار النعم والإمهال مع أنهم من أهل الدرك الأسفل بصورة صنع الخادع المستهزئ فاستعمل الكلام الموضوع للثاني في الأول . قوله : ( واستدراجهم ) الاستدراج الإدناء من الشيء درجة درجة من حيث لا يشعرون قوله ( بالإمهال ) متعلق بالاستدراج ( والزيادة ) عطف على الإمهال ( في النعمة ) متعلق ظرف مجازي مفيد للمبالغة قوله ( على التمادي في الطغيان ) بمعنى مع أي التمادي كقوله تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ [ الرعد : 6 ] على ظلمهم نقل عن المرزوقي قوله على أنه يكون كذا يجري في كلام العرب مجرى الاستدراك وهو في موضع مصب على الحال انتهى . ولو قيل إن على لكونه بمعنى مع متعلق باستدراجهم أو بإجراء لم يبعد والتمادي في الشيء المداومة عليه وقد يكون مع اللجاج وأصله تماددى مضاعف فأبدل الدال الأخير ياء للتخفيف كتلظى وقيل المدى الغاية والتمادي بلوغها انتهى . فلا قلب حينئذ لكن لا يلائم هنا . قوله : ( وأما في الآخرة فبان بفتح لهم وهم في النار بابا إلى الجنة فيسرعون نحوه فإذا صاروا إليه سد عليهم الباب ) قيل وهذا حديث ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت عن الحسن قال قال رسول اللّه عليه السّلام إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم باب إلى الجنة فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا جاء أغلق دونه ثم يفتح له باب آخر فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كذلك حتى أن الرجل ليفتح له باب فيقال هلم هلم فما يأتيه قال السيوطي هذا مرسل جيد الإسناد انتهى . بين هذا الحديث وبين ما ذكره المصنف مغايرة يسيرة .